الحقّ الحقّ أقول لكم

مسرحية عن حياة الشاعر طه محمد علي , تمثيل عامر حليحل

ترى ما الذي يجعل الفنّ عظيما ؟  ما الذي يجعلك تشهق  ساحبا أنفاسك ناظرا الى السقف حتى تستطيع ان تخفف من وطأة المشاعر التي جرفت كل اعماقك مثل تسونامي في يومٍ قائظ.

أو ربما دعونا نتحدث عن مسرحية “طه” من تمثيل الممثل الرائع (الذي اشاهده اداءه اول مرة ) عامر حليحل ,

حقا , ما الذي يجعلها رائعه ؟

هل أداء عامر الذي يتقمص شخص طه محمد علي بعفوية وتلقائية تجعلك تشعر ان روح طه محمد علي قد انتقلت لتهبط في جسد عامر ,

او ربما هي قصة حياة الشاعر الرائع طه محمد علي وجبروته أمام المآسي التي لو هبطت على جبل لخر راكعا من الألم .

أم انها هي امنا فلسطين التي حلقت روحها في هذا الحدث المسرحي وأضافت ندبة أخرى في روح أبناء هذا الشعب المنكوب الذين حضروا فضاء هذه المسرحية .
يبدو أن كل هذه العوامل معا قد تحالفت لكي تفقدني تمالك اعصابي وتجعلني ورقة في مهب ريح هذه الأحداث والقصائد .

“المذلة ولا الموت ” بقيت هذه الكلمة ترن في رأسي كتصوير لتعامل الناس المنكوبين , فأفقد قدرتي على البقاء ساكنا .

عندما فكرت في الأمر وجدت أني اكتب مقالين متتاليين لعملين ابداعيين مختلفين لأخوين من عائلة حليلحل , الأغرب اني لم التقِ شخصيا بهما , كنت قد تبادلت بعض المحادثات الفيسبوكية مع علاء حليل وهذا اقصى معرفتي بهما . وصراحة لو التقيت بعامر بدون الإضافات في مسرحية طه , أعتقد اني لن أستطيع ان اتعرف عليه .

ولكن تخيلوا معي ان عائلة واحدة من فلسطين استطاعت ان تخرج كل هذا الكم من النور المبدع كتابةًُ ومسرحا , كم من الابداع الممكن تحمله فلسطين .

وفي نفس الوقت تمت اضاءة حياة طه محمد علي الإنسان المكافح ابن صفورية الذي نزل الى حيفا في جيل العاشرة ليبيع البيض ويعيل عائلته الفقيرة , انتكب مع عائلته الفقيرة أصلا مرض بالسل والقلب . لم يحصل على أي أمر بحياته بسهولة هذا اذا حصل عليه أصلا .

فلاح
إبن فلاح
بي سذاجة الأم
ولي مِكْرُ
بائع سمك
لا أوقِفُ الجَرْشَ
وفي حلقِ جاروشتي
قبضةُ حبّ
ولا أكفّ عن الحَرْثِ
ما بقي في خُرجي
من بِذاري
ملءُ كَفّ

واذا اردت حقا ان اتحقق ما جعل هذه المسرحية مؤثرة ورائعا من ناحية فنية وتقنية , فأنا لا اعرف بتاتا , ولا يهمني كمشاهد (في الحقيقة يهمني أحيانا ولكن اكتظاظات الحياة العصرية لا يترك لي ابدا مجالا لدراسة المجال حقا) ان اعرف أي تقنيات فنية وتكتيكات مسرحية تم استخدامها .

كل ما يهمني انني حضرت استمتعت جدا وحزنت جدا وكبتت شهقاتي بينما دموعي تستغل عتمة المسرح لتسقط سقوطا حرا بعد ان تتذكر ما نسيناه نحن جيل ما بعد النكبة من ويلات عاشوها بضمير المتكلم ,لنستنكر عليهم بعدها فقرهم وخوفهم ووجودهم . نحن الذين ولدنا مدللين ومربوطين بحبل السرة للكيان الذي يغتصبنا كل يوم , ونشعر بالانتشاء عندما نكتب ستاتوسا مناكفا على الفيسبوك .

بعد ان تخرج من هذه المسرحية تشعر انها هدمت اصناما كثيرة في داخلك , تشعر ان الفن الراقي هو سلاح فتاك , يبني ما يريد ويهدم ما يريد .

نهايةً انصحكم جدا بمشاهدة المسرحية شريطة أن تحضروا جاهزين لذلك التحول الذي سيطرأ عليكم بين الشخص الذي كنتم عليه قبل هذه المسرحية وبين الشخص الذي صرتموه بعدها .

الإعلانات

في هذا الأسبوع قررت أن أمارس حيفاويتي وأذهب لأشاهد عرض مسرحية ركب في مسرح الميدان في حيفا,

إصطحبت معي إبني البالغ أحد عشر عاما وأقنعت صديقي الذي بدأ يمارس حيفاويته قبل أسبوع تقريبا ( وظاهرة الهجرة إلى حيفا تحتاج إلى مدونه مختلفه ربما أكتبها يوما ).

أود أن أقسم انطباعاتي إلى قسمين الثاني عن المسرحية نفسها والأول عن الحضور.

حضور المسرحية   

وصلت في السابعة وخمسين دقيقه متخوفا أن تكون التذاكر قد انتهت أو أن العرض يوشك أن يبدأ وأني أحتاج ان اتلمس طريقي في الظلمة قبل أن يبدأ العرض, لأحصل على تذكير للمرة المليون أن “المواعيد العربيه” تعاني من إزاحة مزمنه لا تقل عن نصف ساعه, وكأن الساعة الكونية العربية قد قام الرب بضبطها نصف ساعة بعد استوائه على العرش.

بدأ الحضور بالتوافد بعد الثامنه لألاحظ أن الجمهور “مختلف” ففي الحقيقة تكون الجمهور من بضع فحماويين حضروا باكرا ويبدو أنهم أقارب الممثل ومنظمي الحفل ولهجتهم (ولهجتي) الفحماويه أميزها بين مليون كاف مؤقته لم ت(تش)سرها الألسن.

باقي الجمهور وهذا شعور أكده لي صديقي, بدا جليا أنهم من “المستنقع” ميزت بعضهم ولم أميز أغلبهم ولكن القبلات المتكرره أكدّت انه هذه الدائره المغلقه من الجمهور يكوّنون ما يسمى إصطلاحا clique  (الكلمة الأقرب بالعربيه هي زمره), وهذا ما أثار حزني على واقع مسرحنا العربي الذي يبدو أنك لن تحضر أي عرض إلا إذا كان الممثل يعرفك شخصيا ويفضل أن يقوم هو بدعوتك,والأنكى من هذا كله أني حقا حصلت على دعوة من الممثل عبر الفيسبوك وبذلك أكون أنا نفسا واقعا في هذا المستنقع من الوحل الذي لا تجد فيه حقا مسرحا يشاهد لذاته. ولكني على الأقل أواسي نفسي) أني ممن القليلين الذين شاهدوا المسرحية دون أن يعرفهم الممثل شخصيا.

أنا شبه واثق أن حضور المسرحية في أم الفحم كان قد كدّس القاعة ولكني للأسف أعتقد ان الأسباب تعود الى clicque الفحماوية والأقارب وليس إهتماما حقّا بالمسرح والذي إن وجد لن يكون في أم الفحم الحالية (آمل أن يستطيع طاهر أن يغير ذلك في المستقبل)

هذا الموضوع على تفاهته للوهلة الأولى قد يكون من أهم مفاتيح تطورنا كشعب وانتصارنا القادم.

                       images

مسرحية ركب

طاهر نجيب ممثل رائع , كان لي شرف مشاهدة مسرحية “سيف دمقليس” في مسرح القصبة بالقدس في العام 1997 على ما أذكر, وأدهشني أداؤه المدهش وقدرته على التعبير والتقمص والتحكم بكل عضلة من عضلاته لكي تبعث لك بالرسالة التي يريدها.

وقد إستطاع أن يفعل ذلك أيضا في مسرحية ركب , حيث تمكن من إيصال الكثير من القصص المختبئه دون حتى أن يتحدث عنها مباشرة , مثل مشهد “المصلوب” ,أو المشهد الذي يتم أجتذابه مثل محكومي الإعدام في العصور الوسطى عندما تربط اطرافهم بخيول تذهب باتجاهات متعاكسه.

ولكن للأسف راودني شعور بأن هنالك ما ينقص المسرحية,وأنا أتحدث كمشاهد لا يفقه من علوم المسرح سوى أنه يستمتع بمشاهدتها, أعتقد أن نص المسرحية ليس ناضجا كفاية ورغم أهمية القضايا التي يطرحها فهو تارة يقفز عنها قبل أن تنضج في عقل المشاهد (كمشهد رام الله قبل الغزو , وصفوف المتفتفين على الجنبين) وتارة يعاود سردها أكثر من مره بتفصيل زائد كمشهد البحلقة في جوازه وتذكرته (وذلك برغم تألقه في الإيماء المسرحي في هذا المشهد).

وددت أيضا تمازجا أكثر حرارة مع أصوات وموسيقى الخلفيه التي كان بإمكانها إضافة التوابل على بعض المشاهد أو الفواصل. فما زلت أذكر مثلا أغنية “هكذا ولدتني أمي” لمسرحية الجزيرة التي استطاعت الإرتقاء بالمسرحية رغم كونها أغنية من دقيقة واحده.

ملاحظة أخيرة لا بد منها, لا استطيع عدم ذكر اللهجة الفحماوية التي إستعملها لتوظيف لهجة التهديد والوعيد , أعتقد أنها ولا شك تبدو أكثر “عنفا” من اللهجة الحيفاويه “الناعمه” وتلائم المشهد  .

(1)

–         لقد عاد

انتشر الخبر بين المتظاهرين في جادة الكرمل, شعر به المتظاهرون بين ظهرانيهم يدفعهم ويهمس في آذانهم بعذوبه, أحست به الخيول وصارت فجأة تترنح وتصهل بامتعاض .
أنه جني …

قال ابن تيميه   والجن يتصورون في صور الإنس والبهائم فيتصورون في صور الحيات والعقارب وغيرها ، وفي صور الإبل والبقر والغنم ، والخيل والبغال والحمير ، وفي صور الطير ، وفي صور بني آدم ، كما أتى الشيطان قريشا في صورة سراقة بن مالك بن جعشم لما أرادوا الخروج إلى بدر ، قال تعالى : ” وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّى جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّى بَرِىءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ

انتقل عبر رؤوس البصل والكوفيات الملفوفة حول الرؤوس المتعبه من الغاز وقنابل الصوت,تسلق الخبر مع نسيم البحر من شارع الجبل لينتشر عبر وادي النسناس صاعدا الى شارع “مسادا” ليوقظ رواد اليكا من نشوة الخمر والحشيش.

أمعقول ذلك أن يعود بعد أربعين عام من الغياب ؟ ألم يمت في تلك الليلة المشؤومه ؟

أصبح العجائز فجأة أشخاصا مرغوبا بهم , عشرات الأسئلة تطرح عليهم دون أن تجد تماما أجوبة شافية

من هو العائد ؟ هل هو جنّي حقا ؟

(2)

رحلت العائلة البيت مع إبنهم الرضيع المولود تواً, فيمن رحل في طريق الأمان الوحيد المؤدي الى كل مكان تريده خارج فلسطين, وبقي بيت العائله الحجريه المؤلف من طابقين قائما على أطراف وادي الصليب , تسلل العمّ عائداً من لبنان ليقبع في الطابق الثاني خمسة أشهر مختبئا يقتات على البصل وفضلات الطعام, نجحت خطته وحصل على الطابق الثاني من المنزل بينما استلم الطابق الأول “الوصي على أملاك الغائبين” , لتحصل عليه عائلة عربية هجرت من الطيره واختبأت في إحدى كنائس حيفا لتحصل على هذا المنزل مقابل تنازلها عن أرضها في الطيره.

بدأت الأسطورة تحديدا في العام 1965 وبحسب شهادة الميلاد التي حملها العمّ للطفل كان يحتفل بعيد ميلاده الثامن عشر, عندما اندلعت النار في البيت المجاور تماما , بيت آخر للعائله  سكنه اليهود الوافدون من ألعراق,لم يصب أحد بالحريق,لأن الذي قام بالفعل تعمد إثارة جلبة شديده مباشرة بعد إشعال النار التي إستطاعت إبتلاع المنزل تماما  , أثار الأمر ذعر السلطات خوفا على إنجازاتها في فرض التعايش على رعاياها العرب  فأقامت حراسات ليلية في تلك الحارة تحديدا , فالعائلة كبيره واملاكها التابعة للوصيّ تصل إلى خمسة بيوت عدا بيت العم ذي الطابقين.

رآه أربعة من الحرس الليلي في المرة الثانيه وأقسم ثلاثةُ منهم أنه كان يصب الكاز على سقف الطابق الثاني مباشرة دون الإستعانة بسلم,وبعدها إنكمش طوله دفعة واحده بعد ان إندلعت النار وانفجرت عبوت ناسفه كانت بينهم وبينه تماما ليختفي بعدها,الحارس الرابع لم يتكلم إدعى أنه لم يرَ شيئا وهاجر بعدها بعدة أشهر إلى الولايات المتحده بعد أن استلم نقود المساعده للقادمين الجدد.

توالت الحكايات ليزداد عدد شهود العيان وتتكرر مشاهد استطالة وانكماش مشعل الحرائق السري , حتى أتت على منازل العائلة كلها.

ووصل الخبر الى وزير الداخلية الذي أصدر قرارا بحكم صلاحياته بطرد العمّ من منزله بحكم كون البيت مسجل بإسم الجد والجده وأعطي العمّ أسبوعا للطعن أو إخلاء المنزل , رحل العمّ طوعا الى كندا حيث يحكى أنه عمل عند الحارس الرابع الذي هاجر هناك وافتتح محلّا لبيع الفلافل.

في الواقع قام وزير الداخلية بنصب كمين للشبح ,حيث أدخل مجموعه مسلحة من المتعاونين العرب إلى المنزل يتناوبون الحراسة من داخل المنزل بانتظار هذا الشبح.

رآه مناوب الحراسة فأيقظهم جميعا , طرق الشبح الباب وعندما فتح الباب تكلم معهم قائلا

–         هذا البيت لا يعرف رائحتكم.

أخرجوا أسلحتهم وأطلقوا لنار,

خيط الدماء يسير إلى ساحة الحناطير ليكمل طريقه إلى البحر الذي إصطبغ يومها بحمرة غريبة كأنه إستلم دماء مدينة كاملة بغته.

واختفى الشبح.

رفض إمام الجامع الصلاة عليه فهو لا يعرف دينه والصلاة على غير المسلم لا تجوز.
أما كنائس الروم الملكيين الكاثوليك والروم الأرثوذكس واللاتين والموارنه رفضت كل بدورها أيضا أي قداس متعللة أنه ليس من رعاياها .

كان ذلك في الثلاثين من نوفمبر عام 1973.
قبل اربعين عاما تماما,وعاد اليوم.

ميزه ضابط يهودي كبير ممن شاهدوه بأّم عينهم آنذاك, بدأ عرقه يتصبب خلف الخوذة وواقي الرصاص ,وأطلق أوامره مباشرة للخيالة باختراق الجموع وإحضاره بأي ثمن, وتحطمت أضلع بعض المتظاهرين وكسرت رجل حصان – مما أثار حنقه حقا وأدى إلى المزيد من الأضلع المتكسّره-  دون فائده.

إختفت آثار الشبح ولكن روحه الحاضره أحيت المتظاهرين , وأثقلت رؤوس الشرطه الذين قرروا الإنسحاب التكتيكي حتى إشعار آخر.

(3)

أنا مجرد صحفي صغير نشرت خبرا صغيرا في جريدة صغيره في مدينة صغيرة تدعى حيفا , كتبت قصة إدّعيت كذبا أنها خياليه عن شبح صغير يسكن في شارع العراق يأكل حجارة بيوته طوعا , شبحٍ إسمه جُليات.

مرت ثلاثة أشهر على تلك القصة المزعومه, التي كادت تودي بوظيفتي –  ففي وطني المزيف هذا مسموح أن تقول كلّ شيءٍ سوى الحقيقه –

عندما وصلني هذا المكتوب الغريب,

3 وَكَانَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ وُقُوفًا عَلَى جَبَل مِنْ هُنَا، وَإِسْرَائِيلُ وُقُوفًا عَلَى جَبَل مِنْ هُنَاكَ، وَالْوَادِي بَيْنَهُمْ.
4 فَخَرَجَ رَجُلٌ مُبَارِزٌ مِنْ جُيُوشِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ اسْمُهُ جُلْيَاتُ، مِنْ جَتَّ، طُولُهُ سِتُّ أَذْرُعٍ وَشِبْرٌ،
5 وَعَلَى رَأْسِهِ خُوذَةٌ مِنْ نُحَاسٍ، وَكَانَ لاَبِسًا دِرْعًا حَرْشَفِيًّا، وَوَزْنَ الْدِّرْعِ خَمْسَةُ آلاَفِ شَاقِلِ نُحَاسٍ،
10 وَقَالَ الْفِلِسْطِينِيُّ: «أَنَا عَيَّرْتُ صُفُوفَ إِسْرَائِيلَ هذَا الْيَوْمَ. أَعْطُونِي رَجُلاً فَنَتَحَارَبَ مَعًا».
26 فَكَلَّمَ دَاوُدُ الرِّجَالَ الْوَاقِفِينَ مَعَهُ قَائِلاً: «مَاذَا يُفْعَلُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَقْتُلُ ذلِكَ الْفِلِسْطِينِيَّ، وَيُزِيلُ الْعَارَ عَنْ إِسْرَائِيلَ؟ لأَنَّهُ مَنْ هُوَ هذَا الْفِلِسْطِينِيُّ الأَغْلَفُ حَتَّى يُعَيِّرَ صُفُوفَ اللهِ الْحَيِّ؟»
38 وَأَلْبَسَ شَاوُلُ دَاوُدَ ثِيَابَهُ، وَجَعَلَ خُوذَةً مِنْ نُحَاسٍ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَلْبَسَهُ دِرْعًا.
39 فَتَقَلَّدَ دَاوُدُ بِسَيْفِهِ فَوْقَ ثِيَابِهِ وَعَزَمَ أَنْ يَمْشِيَ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ جَرَّبَ. فَقَالَ دَاوُدُ لِشَاوُلَ: «لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَمْشِيَ بِهذِهِ، لأَنِّي لَمْ أُجَرِّبْهَا». وَنَزَعَهَا دَاوُدُ عَنْهُ.
40 وَأَخَذَ عَصَاهُ بِيَدِهِ، وَانْتَخَبَ لَهُ خَمْسَةَ حِجَارَةٍ مُلْسٍ مِنَ الْوَادِي وَجَعَلَهَا فِي كِنْفِ الرُّعَاةِ الَّذِي لَهُ، أَيْ فِي الْجِرَابِ، وَمِقْلاَعَهُ بِيَدِهِ وَتَقَدَّمَ نَحْوَ الْفِلِسْطِينِيِّ.
46 هذَا الْيَوْمَ يَحْبِسُكَ الرَّبُّ فِي يَدِي، فَأَقْتُلُكَ وَأَقْطَعُ رَأْسَكَ. وَأُعْطِي جُثَثَ جَيْشِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ هذَا الْيَوْمَ لِطُيُورِ السَّمَاءِ وَحَيَوَانَاتِ الأَرْضِ، فَتَعْلَمُ كُلُّ الأَرْضِ أَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ لإِسْرَائِيلَ.
47 وَتَعْلَمُ هذِهِ الْجَمَاعَةُ كُلُّهَا أَنَّهُ لَيْسَ بِسَيْفٍ وَلاَ بِرُمْحٍ يُخَلِّصُ الرَّبُّ، لأَنَّ الْحَرْبَ لِلرَّبِّ وَهُوَ يَدْفَعُكُمْ لِيَدِنَا».
48 وَكَانَ لَمَّا قَامَ الْفِلِسْطِينِيُّ وَذَهَبَ وَتَقدَّمَ لِلِقَاءِ دَاودَ أَنَّ دَاوُدَ أَسْرَعَ وَرَكَضَ نَحْوَ الصَّفِّ لِلِقَاءِ الْفِلِسْطِينِيِّ.
49 وَمَدَّ دَاوُدُ يَدَهُ إِلَى الْكِنْفِ وَأَخَذَ مِنْهُ حَجَرًا وَرَمَاهُ بِالْمِقْلاَعِ، وَضَرَبَ الْفِلِسْطِينِيَّ فِي جِبْهَتِهِ، فَارْتَزَّ الْحَجَرُ فِي جِبْهَتِهِ، وَسَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ.
50 فَتَمَكَّنَ دَاوُدُ مِنَ الْفِلِسْطِينِيِّ بِالْمِقْلاَعِ وَالْحَجَرِ، وَضَرَبَ الْفِلِسْطِينِيَّ وَقَتَلَهُ. وَلَمْ يَكُنْ سَيْفٌ بِيَدِ دَاوُدَ.
51 فَرَكَضَ دَاوُدُ وَوَقَفَ عَلَى الْفِلِسْطِينِيِّ وَأَخَذَ سَيْفَهُ وَاخْتَرَطَهُ مِنْ غِمْدِهِ وَقَتَلَهُ وَقَطَعَ بِهِ رَأْسَهُ. فَلَمَّا رَأَى الْفِلِسْطِينِيُّونَ أَنَّ جَبَّارَهُمْ قَدْ مَاتَ هَرَبُوا.

 

“لاقني في بيت جُليات الأخير في ذكرى أختفائه الواحده والأربعين”

لاقيته في البيت المؤطّم في شارع العراق, لا يختلف عن سائحٍ أعجمي جاء ليتذوق معجزات حمص أبو مارون – وكأنه تاه في طريقه الى السياره –

لا أعرف لماذا إختار هذا التوقيت بالذات رغم أنّي حاولت مراراً الإتصال به.

–         جُليات مات في يوم النكبه !

وكأنه يطلق أقوى أسلحته في الجولة الأولى , وكانت حقا تلك ضربة قاضيه.
واستطرق ليخبرني بأن الطفل كان في سلة من القش سقطت من القارب الذي كان في طريقه إلى لبنان , وعندما رفض القبطان بأي حال من الاحوال التوقف أو العودة لانهم ما زالوا في منطقة الخطر, قفزت الأم خلفه بكامل زيها الفلسطيني لتصبح الإلهة السرية لخليج حيفا .
عاد في عيده الثامن عاشر وعندما رآه لأول وهله كان واثقا أنه ليس جُليات, كان ينام عند عتبة البيت ,ليمتدّ من الحائط إلى الحائط حينا,ويتقلص أحيانا طوله إلى عرض الباب.

وكلما طال مكوثه, زاد اختلاط الشك باليقين,حتى تيقّن تماما في نهاية الأمر أن هذا الكائن أمامه يحمل روح إبن أخيه.
لم يتحدثا تقريبا , ولم يطلب الطعام أو الشراب أبداً. كلّما أحترق منزل إزداد السواد في وجهه – وهو العضو الوحيد من جسمه الذي كان باديا للعيان – حتى لم يعد يستطيع تبين ملامح وجهه,وصار يميزه من ملابسه فقط.
وبقي المنزل الأخير وقبل أن يخرج نظر إلى العمّ وقال له :

–         اليوم أنا راحل !

إن روح جُليات كانت تتلاشى مع كل منزل محترق,وبقي المنزل الأخير,وما زال في موقعه,يحمل قطعة من روح جليات تحلق في سماء حيفا.

تناولنا الحمص عند “أبو مارون” تحت مسجد الإستقلال, قبل أن يرحل ليعود إلى العمل عند الحارس الرابع, الحارس الذي رحل بعد الحريق الأول .

–         في الغربة ,إن لم تجد أصدقاءا , صادقت أعدائك.

 

 

(4)

من سفر الإعادة

وجاء شاؤول ليربض مستوطناً أمام حقل جُليات

ومر جليات بهم إلى حقله أربعين عاما, يزرع الأرض ويستعد لحصادها بمنجله.

وجاء داوود يشتهي الحقل والبيت والمنجل.

وأختار داوود خمس رصاصات فضية من بلاد وشيكه.

وأطلق النار وأخذ البيت والزوجة والمنزل, وكتب التاريخ كما يليق بالأنبياء

وصلى لإلهه “يهوه” الذي خلصه من الكفره.

ولم يكن مع داوود منجل , فحمل منجل جليات وبتر الرأس والقا الجسد في اليم.

وفي اليوم الثامن عشر حصلت المعجزه, نزل اله الإنتقام وربط الرأس بالجسد العفن.
وعاد جليات حياً لتعود العظام وهي رميم, وحمل برقا عظيما من إلهه إله الموت والانتقام.

عاد الى حقله وبيته وقذف ببرقه ليحرق داوود وزوجته وابنائهم والحقل وذاته,وانصهر المنجل ليصبح قطعة من المعدن البارد تلمع تحت ضوء الشمس القادمة من الغرب.

 

 

إهداء إلى معتقلي ومصابي أحداث مظاهرات يوم الغضب في 30 نوفمبر 2013

اهلا بكم الى المرشد الأشمل والأسرع  لإنتاج مسلسلكم التركي المدبلج الذي سوف يطبش الأسواق.

الشخصيات

الشقفه أو الشقيف :

عليك ان تختار ممثلة أو ممثلا وسيما يستطيع جذب المشاهدين والمشاهدات, طبعا يفضل شقفة وشقيف في حال توفر المال الكافي, وإلا عليك ان تختار جمهور الهدف لديك, وعملا بقول الرسول “اوصيكم بالنساء خيرا” فاختر الشقيف لانه سيجذب النساء وهن الجمهور الأكثر متابعة للمسلسلات.

البطولة المطلقلقه :

بما انك تدفع لشقاقيفك مبالغ مرتفعه فعليك باستثمارهم في كل مشهد في المسلسل,اذا توفر اثنان فيجب عليك عدم ابقاء مشاهد ميته بدونهم,المشاهد المشتركه هي التاج في رأس كل حلقه, ولكن حاذر من الإكثار منها لئلا تصبح عادة.

الأطفال:

 تحتاج الى طفل واحد على الأقل, طفل وطفله هم الوصفه المثاليه, واحذر كل الحذر الإكثار من الأطفال فهم يخطفون الاضواء من الأبطال وهذا ما يكرهونه,وبدل أن يخطفوا الأضواء يفضل خطفهم ل5 حلقات.

الأهبل:

 يرى الأمور ببساطه وسذاجه يتكلم بطريقه مضحكه , يشرح للجمهور الغبي الأمور التي لم يستطيعوا فهمها بعد ان تم معالجة المشاهد الدراميه.يجب أن يكون صوته مضحكا.

الخبيث:

صديق البطل بس من تحت لتحت بيكون مع الأعداء,ممكن القضاء عليه في نهاية الموسم الأول أو في الحلقات 50 أو 100, واذا مشى الوضع وصار له “شعبيه” خليه للحلقه الأخيره طبعا مع اخراج مشاهد لولا الله وشحطه بينكشف.(حلقه هون وحلقه هناك)

الختيار:

 يعطي البطل من حكمته في الحياه ويعلمه كيف يتعامل لما يحس انه مش عارف وين الله حاطه, صح البطل مش رح يرد عليه دايما بس لما يموت بالحلقه 50 (ببدا ينازع من حلقه 45) بيصير يتذكره عشان يعقل وما يقضي على الأشرار بنص المسلسل.  ممنوع يطول بالمشاهد لانه الجمهور لا يحب ان يرى ختياريه.

الشرير:

 شخص يبرز انياب الشر من أولها ويبدأ بمنازعة البطل (الذي يمكن ان يكون شريرا ولكن ذلك غير محبّذ بالمره) ويتمكن من الامساك به عدة مرات (كل مره ب 4 حلقات)  لولا انه ربك سترها لكان قضى على بطلنا.

ضابط الشرطه:

طبعا الشرطه لازم تكون متأخره خطوتين عن البطل واربع خطوات عن الشرير لحد الحلقه الأخيره لما يكحشوه. يستطيع الضابط ان يتفاعل مع الشخصيات (3 حلقات) أو أن يكون احد شخصيات القصه .

الصديق الوفي:

 دائما مع البطل حتى في اصعب اللحظات وحتى عندما يتهبل البطل ويفكر انه صديقه خانه  (5 حلقات خيانه ومصالحه) يقوم دائما بالوقوف الى جانبه ومسامحته. يستطيع أيضا أن يغطي بدل البطل عندما يذهب بإجازه وارسال البطل في رحلة عمل أو اختفاء غير مفهوم ( 3 حلقات)

الفقير الآدمي:

 ذلك الذي يقوم بالأمور دون أن ينتظر مقابلا ماديا, فهو إما سائق البطل أو خادمه , وهو ولد هناك وعاش هناك ويعرف البطل أكثر من نفسه, طبعا البطل لا ينسى أن يغرق الفقير بكرمه عندما يمرض هو أو أبنه (3 حلقات وزياده عليه) هذ طبعا اذا لم يكن البطل فقيرا وفي تلك تحتاج الى الغني الآدمي

الغني ألآدمي:

صديق البطل الفقير معجب به بعد أن أنقذ حياته (3 حلقات) ويعجب به أكثر بعد أن يرفض الحصول على أي مساعدات ماديه (حلقتان) ولكنه قد يقبل في مرحله ما بالشراكه التي طبعا تحول الفقير الى غني (5 حلقات على الاقل قبل ان يستغني)

شخصيات على الرف:

اعمل حساب انه يمكن يصح لك ممثل بسعر رخيص بنصف المسلسل, جهز سيناريو لشخص من الماضي أو واحد فكروه ميت وطلع عايش.

*

نور

نور

الشخصيات ممكن أن تكون مذكر أو مؤنث حسب السوق

متفرقات

الموسيقى:

وراء كل مسلسل ناجح موسيقى رائعه, فإذا بدك مسلسلك ينجح , لا تتباخل على الملحن,اذا ما كفو المصاري لكل المسلسل ظل اطحن بالموسيقى وعيدها,المهم تكون موسيقى حلوه.

عدد الحلقات:

بما ان التكاليف الاوليه كثيره وكلما زاد عدد الحلقات قلت تكاليف الحلقه فعليك بالإكثار من عدد الحلقات,وعليك التذكر الحلقات 50 و100 يجب ان تكون مميزه,

واذا زادت الحلقات عن 100 ينصح بشده تقسيم المسلسل الى موسمين.

الحبكه:

هنالك عده تصورات ممكنه عن الحبكه,عليك ان تختار احدها كعنصر رئيسي يمكنك المزج مع الأخذ بعين الأعتبار ان حبكات مختلفه تجذب مشاهدين مختلفين وجذبها قد ينفر الجميع.

حمل:

ما في مسلسل من غير حمل وخلفه, وإذا انحشرت وما بدك البطله تخلف يا بتجهضها يا بتعمله حمل  كاذب

قصة حب :

الحبكه الأزليه التي تثبت مفعوليتها دوما هي قصة حب عنيف  تحول العوامل الخارجيه دون نجاحه, حب من طرف واحد هو امر غير محبذ لانه لن يشهد تبويسا وتعبيطا. والخيانة هي البونوس. قصة الحب هي شرط أساسي لنجاح أي مسلسل لذلك يشترط وجودها في أي مسلسل طبعا هذا إذا لم تكن هي القصة الرئيسيه.

عائلات غنيه :

 لا مفر من وجود مشاهد في بعض القصور والبيوت الفخمه واختيار عائلة غنيه أو تحولت الى غنيه في خضم المسلسل هو امر طبيعي ومحبذ.

أنسحاب الممثلين:

لا يمكنك أن تضمن وجود طاقم الممثلين معك على مدار ال 150 حلقه (وهو النسبه الذهبيه للمسلسل التركي)  لذلك عليك ببناء سيناريو بديل لكل ممثل ممكن يفكر يخونك ويترك أو ينسحب لاي اعتبار كان. الحل الأسرع لهذا الشخص ان يهاجر الى استراليا أو الى البرازيل, أو الى مكان غير معلوم ,حافظ على  ذكر اسمه وارسال رسائل ورموز منه. فالبطل لا يمكن أن يموت, هو فقط يختفي الا أجلٍ غير مسمى.

مسلسل تاريخي:

المسلسلات التاريخيه الحقيقيه هي انتحار مالي فابتعد عنها,واذا فرطت معك وشعرت بانك لازم تعمل تاريخي اعمل مسلسل “شبه تاريخي” هو يعني انت مفكر الجمهور مؤرخين, اختر شخصيات تسطيع التلاعب بقراراتها التاريخه, وتذكر ان انسحاب ممثل هنا قد يكون انتحارا لاستثمارك, راجع فصل انسحاب الممثلين.

أسود وابيض

لما بدك تسترجع مشاهد قديمه تنساش  تمسح الالوان وتخليها ابيض واسود بدل ما تخربط الجمهور وما يعرف وين الله حاطّه.

النهايه

لازم الوضع يتأزم عالآخر (عشر حلقات قبل النهايه) وكل شي يتفركش قبل ما تنحل الأمور بالحلقه الأخير اللي فيها “عاشو بتبات ونبات وخلفوا صبيان وبنات”.

المواقع

مكتب الشرير:

 مكتب فخم ,مع رمزشرّانيه زي راس غزال معلق عالحيط, أو شي باروده,اذا لا معناها شي اثنين حمير الواحد منهم قد الحيط بس يكونوا واقفين بكل مشهد.

مكتب البطل:

صورة حبيبته (والاولاد طبعا اذا صار مخلّف) وحاسوب متنقل وطاوله بتلمع,اذا فقير بلاه الحاسوب بس الطاله لازم تلمع.

الخماره:

 هاي لما البطل يزعل وينوي يكون شرير (مش اكثر من حلقتين) بروح هناك وبيعمل طوشه وبيكسر الطاوله الخشب.

المطعم الشيك اللي بيطل على البحر:

هناك يعني بيلتقي البطل والبطله, وطبعا الشرير برضه بيجيب الصبايا هناك.

المطعم الشعبي :

هناك البطل ايام الفقر أو صاحبه الفقير بيعزمه عليه, بينفع يعزم صاحبته هناك هاي قبل ما تبدا المشاكل, عشان تشوف قديه هو فرتيك وبيعرف اطيب محل سمك باسطنبول.

المستشفى:

البطل وصاحبته والختيار واحد من قرايبه وصديقه رح يوصل كل واح منهم بدوره للمستشفى ويكون بوضع خطر (2-4 حلقات كل واحد) مفضل غرفه زجاجيه  مع نباريش من مناخيره.

السجن:

البطل يدخل السجن مظلوما ( خمس حلقات) والامور بتتأزم ويمدد اعتقاله لحتى تظهر الحقيقه بالدقيقه التسعين , طبعا بالسجن البطل بيطعج كل المساجين اللي بيستهبلوه.

بلد سياحي :

شوف لك بلد سياحي يمول 10 حلقات هناك بتعمل قصه برّانيه قبل ما يرجعوا الابطال من رحلتهم.

مرّت البشريه في العصور في العصوره المؤرّخه بالعديد من الامبراطوريات المتعاقبه, تتناحر أحيانا وتتحالف ضد عدو مشترك تارة أخرى, لم يكن هناك حقا ما يدعى بمصالح الشعوب بل كان هنالك تباين واضح بين حاكم ومحكوم, الحاكم يقرر بتفويض الهي احيانا وبدونه احيانا أخرى والشعوب تتلو تلك الارادة العليا المدعومة بحد السيف سابقا وبكعب البندقية لاحقا.

لم يحتج الملوك إلى تسميات متحاذقه أو الى مؤامرات مبطّنه لتنفيذ المخططات بل كان تعارض المصالح يحلّ عادة حسب شرع الغاب “الغلبة للأقوى”.

مع نمو البشريه وتباين مراكز القوى, صارت اللعبة أكثر تركيبا والنتائج المترتبه على تلك الصراعات أكثر أيلاما, وفي محاولة لتعزيز السيطره قامت الامبراطوريات بتحويل “ملعب” النزاع الى اراض بعيده لا تستهلك موارد الخصوم مباشرة بل صارت اشبه بلعبة شطرنج يكون الملك متحصنا في ملجأ نووي بينما جنوده يتبعثرون لأجله في أرض المعركه.

وفي غفلة عن صراعات القوى وبأثر التطور التكنولوجي المذهل في القرن العشرين نشأت عوامل جديده بدعم تكنولوجيا المعلومات أعطت ولأول مرّه القوّة للمواطن البسيط لرؤية الصوره من أعلى ولو جزئيا ومقارنة معطياته الأوليه بانداده على الطرف الآخر من الخندق.

في محاولات يائسة للطرف غير المتكافئ لتغطية عجزه أو عدم قدرته على مجاراة ندّه كانت محاولات تعتيميه نجحت ولو لحين في تغطية عوراته.
أثر الفشل الكلّي للتعتيم أو ربما في مواجهته وجدت قضية الأغراق بالمعلومات الغثّ فيها يغرق السمين في بحر ال لامعلومات تجعل المواطن البسيط يتمنى أن يعود الى عصر السيف يحمله ليهاجم العدو أمامه دون النظر الى السفن المحروقه أو غير المحروقه خلفه.

في خضمّ كل هذه التغييرات حصل تطور مهم في رواية الجلّاد لضحاياه, صار يحتاج الى شرعنة المواطنين لقيادتهم, فصارّ فرضا على الحكّام الموازنة بين صورتهم امام مواطنيهم وبين المؤامرات والدسائس واموال الشعب المستثمرة في مثل تلك “المشاريع”.

لا أعتقد انه يمكن للبشر بنظرة استعلائيه الحكم على امبراطوريات بمنظور الصواب والخطأ أو الخير والشرّ . كم بالحري عندما نكون نحن جزءا من هذه اللعبه ونملك الكثير من المؤثرات الشخصيه التي تصيبنا بقصور النظر.

الآن بالرغم مما سبق, سأحاول أن أدلو برأيي المتواضع الذي يحتمل الخطأ اكثر من الصواب عن ماهيّة الوضع القائم في العالم العربي إثر ما يسمى بربيع الشعوب العربيه.

هنالك ثلاث منظورات قائمه لقراءة الوضع الراهن,هنالك المنظور الديني الذي يحول الصراعات الى صراعات دينيه في محاربة العلمانيه والقوميه وهو التيار الأقوى اليوم في العالم العربي, وهذا التيار مدعوم من قوى رجعيه في الخليج مدعّما بالإخوان المسلمين ,ومن هذا المنظور وبمفارقه مثيره للجدل لا يرى داعموا تلك الرؤية تناقضا فوريا مع الغرب المسيحي الأورو-أمريكي أو الصيني الوثني بل يعتبر اعدائه المباشرين هم الاسلام الشيعي الذي يحمل المنظور الديني من الطرف الآخر لمرآة المنظور السني تماما, والعدو الثاني هو العلماني سواء كان اشتراكيا أم شيوعيا أم حتى اسلاميا معتدلا, فأولائك هم العائق المباشر امام انشاء حكم ديني يتبع اهوائهم ورغباتهم في تجسيد رغبة الربّ وتسليطها على “العبيد”.

هذا التيار يستطيع حتّى الآن يستطيع أن يسيطر على مجرى الأمور وتسييرها في ركابه, ولا يبدو في الأفق أي جديد يمكنه أن يحد من هذا التسلطّ.

المنظور القومي الذي ما زال في أفول منذ رحيل عبد الناصر, وجميع المؤشرات تدعم رحيل هذا المنظور, فنرى تعزّز الأقليميه والقبليه بل وتفكك الدول الى دويلات طائفيه داخل القوميه الواحده,لا يبدو في الافق القومي أي مؤشر أيجابي فرغم حرارة المؤمنين به الا ان الممارسات على أرض الواقع تنحرف في الاتجاه تماما.

المنظور ألأممي حيث أنضوى أغلب مريدي هذا المنظور في العالم العربي في الماضي تحت الأعلام الحمراء,ولكن انتكاس التجربه السوفييتيه قد أدى الى تشرذم اتباعه وانقسامهم الى تيارات متناحره أدّت الى كونه أقلّ التيارات تأثيرا رغم أن أتباعه ليسوا بالضروره هم الأقليّه.

المفارقه في الأمر أن الفكر الرأسمالي أيضا هو فكر أممي ينظر الى البشر كمستهلكين بغض النظر عن قومياتهم ودياناتهم, وعلاقة رأس المال بالعالم العربي هي بطبيعتها علاقة تستقطب رؤوس الأموال والطبقات الغنيه مما يخلق عداوة طبيعيه بين شعوب أغلبها فقيره وبين نظام يستقطب أولئك الذين ينهبون مواردها.

الولايات المتحده وهي الامبراطوريه الدوريه في عجلة التاريخ, تحاول أن تحبك أي تغييرات تطرأ في الساحة الدوليه لكي تحول مجراها الى مصبّها وهذا أمر طبيعي ومتوقع. احداث ربيع الشعوب بالنسبة لها ليست سوى تطورات تطرأ على رقعة الشطرنج تقوم هي بموازنتها بحركات تكتيكيه تقوم هي بها,بالمقابل يقوم الزعماء في الدول الحليفه والمعاديه كلّ بدوره بالقيام بحركاتهم التي يرونها مناسبه على رقعة الشطرنج  الكرويه.

كانت ثورة تونس مفاجأه خلقت جوا من التغيير أثر جمود دام عشرات السنوات بعد اختفاء القطب الشيوعي. وحالما أمتد رياح التغيير في مصر وليبيا واليمن سارعت الولايات المتحده الى تبني أجندات مجهّزه لتخفيف الصدمات ولتحوير الواقع بما يصب في مصلحتها, وهي محاولات ليس من الواضح نجاحها أو عدمه, يمكننا مثلا استرجاع التجربه الأفغانيه ومليارات الدولارات التي سكبتها في تسليح الحركات الأسلاميه هناك وأدت فيما بعد الى إنشاء أكبر حركه مناوئه لها في القرن الحادي والعشرين.

مع تقدّم مسيرة الثورات بدا جليّا التخبط وانعدام الرؤيا الواضحه, الشيئ الواضح الوحيد أن ما كان لن يكون. وذلك بحد ذاته برأيي يستحق كل ما كان من تضحيات, لا يستطيع ولن يستطيع العالم العربي النهوض بدون اقتلاع كلّ الأعشاب الضاره سواء كانت ممانعه أو ممايعه, ومن الطبيعي أن الربيع لن يأتي في الأعوام القليله القادمه, ولكن ماهيّة الحوار وطبيعة الجدل القائمه اليوم هي شرّ لا بدّ منه حتى تتطور ديناميكيه ديمقراطيه يتم عبرها الحوار بين الأطر المختلفه للشعب لكي تبني مجتمعا متنوعا وقويا يكون حجر الأساس لتطوير صروح حضاريه تحاكي المستقبل وتتفوق به.

كانت الثوره الليبيه هي بداية الأرتجاعات العلمانيه – القوميه والأمميه- خاصة بعد التدخل اللئيم للغرب وعلى رأسها فرنسا فيما يبدو أنه سيناريو قديم قد أزاحت عنه الغبار للتخلص من الزعيم العربي “الأقل قدرة على التنبّؤ” وبذلك قامت أيضا ببناء أرضيه ثابته لعلاقة أكثر حميميه مع أي قياده قادمه.

ولا شك ان فوز حركة النهضه في تونس والمرشح الإسلامي في مصر قد دقا المسمار الأخير في نعش التشجيع المطلق للثورات.

اللافت للنظر في هذه الحبكه السرياليه أن قرارات الأفراد في دعم الثورات أو مناوئتها لا ينتج مباشره من أستحقاقاتها , بل من البدائل المطروحه الممكنه ومدى الكراهيه المضمره لذلك البديل, فالخوف من الإسلاميين في مصر قسم التيار العلماني بين مؤيد ومعارض, والخوف من الإيرانيين قسم الإسلاميين بين مؤيد ومعارض في ثورة البحرين,والخوف من الغرب زرع تخوفات من الثوره الليبيه.

تترابط الخيوط في الثوره السوريه لتصبح عقده تفوق “العقده الغورديه” في تشعباتها, فالنظام السوري هو نظام علماني يساري من جهة ومن جهة ثانيه هو الحليف الإستراتيجي الوحيد للنظام الأوتوقراطي في إيران ومن جهة ثالثه هو النظام الوحيد المتبقي المناوئ للهيمنه الأمريكيه في حوض المتوسط وذلك يجعله تلقائيا محبّبا لروسيا والصين اللتان لم تستطيعا حتّى الآن شق طريق من دول حليفه تعيد “أمجاد”  كتلك التي حظي بها الإتحاد السوفييتي.

قسمت الثوره السوريه في يومها ألأول القوميين الى أغلبيه تكره أمريكا وتحب أعدائها وخاصه عندما يرفعون شعار “دوله عربيه واحده ذات رساله خالده”, واحتاجت الى بعض الوقت لاكتساح اليساريين وخاصة اولئك الذين لا يجرؤون على التفكير في اليوم ما بعد انهيار النظام “اليساري” الأخير في الشرق الأوسط. واكتسبت المعارضه دعم القوى الأسلاميه من يومها الأول وهي التي تخاف إيران أكثر مما تخاف الولايات المتحده,ورغم ذلك تجد هناك افرادا جرّهم عداؤهم لأمريكا إلى التخوف من الثوره وخاصه بعدما بدأت الحكومات الرجعيه والغربيه بتجاذب الخيوط في سوريا وتسليح المعارضه.

بنظرتي الشخصيه للأمور في سوريا يجب محاولة ترتيب الأوراق بحيث أن التأييد (وهو أمر بحد ذاته لا يخدم أي طرف بكثير) ليس مطلقا وهو تأييد لاحداث ومواقف وليس اذدنابا لأحد , وهذه بضع نقاط أحاول بها

1 النظام السوري هو أحد أفشل الأنظمه العربيه (لا يسبقه برأيي سوى النظام السعودي في الفشل والفاشيه) ,وأهم مقياس أقيسه هنا هو رفاهية المواطن السوري وقدرته على التعبير والنقد.

2 الثوره قامت من داخل الشعب السوري وقد قام النظام بعنجهيته بقمعها بأساليب بشعه سحبت الشرعيه من قياداته التي تستحق المحاكمه على جرائمها

3 تدحرجت الثوره لكي تتجاذبها بعض خيوطها أيادٍ أجنبيه بإجندات أجنبيه اسلاميه\امريكيه\صهيونيه ويجب الإنتباه لذلك ولا يمكن إنكار ذلك إيضا

4 الحل في سوريا يجب أن يكون من الداخل, وأي تدخل أجنبي لن يجلب ألّا الويلات لسوريا,  بغض النظر إن كان التدخل صينيا\روسيا\قطري\أمريكا

5 أكثر ما لفت نظري في الثوره السوريه هي قضية التضليل الإعلامي من جهه وخاصة قناة الجزيره التي باتت لا تخبئ أجنداتها القطريه,ولكن الإعلام السوري تحوّل الى قناة هزليه في أفضل الأحوال,في مقابل القناة القطريه التي إذا قارناها بقناة الدنيا أصبحت “قناة الأم تيريزا”

على كل حال لا حاجه لأي قناة إعلاميه لمعرفة الحقيقه, فعلى ما يبدو أننا نقرر أولا ما هي الحقيقه وثم نبحث عن أدلّة إعلاميه “تثبتها”.

أنا شخصيا تعلمت بناء “المشاهده العكسيه” في مشاهدة الأخبار,فعندما أشاهد قناة الدنيا أكره النظام السوري لأنني أرى فساده وشموليته واحتقاره لقيمة حياة الإنسان في أخبارهم, كما وأني اكره النظام القطري عندما أشاهد الجزيره التي باتت بوقا لنظام اوليغارخي يدعو لدمقرطة سوريا, وأخاف من الثوره عندما يذرف الفاشي ليبرمان دموع التنين على قتلاها في القنوات الصهيونيه.

تناثر

الفيلم من تأليف وإخراج
توفيق أبو وائل.

لقد رفع فيلم توفيق أبو وائل السابق”عطش” سقفا مرتفعا من التوقعات لهذا المخرج الموهوب. وتلاه
بفيلم تناثر الذي يختلف كلّيا كأن المخرج يعلن أنه يرفض الانصياع لنمط معين من
الافلام, أو كنوع من اعلان عن تنوع قدراته على تناول أي قضيه يريدها.

تدور أحداث القصه في القدس الشرقيه,ويبدأ الفيلم برسم الخطوط عن بداية علاقه بين طبيب جراح وفتاة
حملت حملا غير مرغوب به وتطلب مساعدته للاجهاض , كونه الطبيب الوحيد الذي تعرفه
رغم أنه لا يعرفها الا انه يعرف والدتها.

حين يبدأ الفيلم فإن الديكور المقدسي الذي يحيط بالممثلين يعطي تأثيراته حين لا تستطيع الفتاة
المرور بسبب تركها للقدس لبضعة أشهر وسحب هويتها الزرقاء,والجدار الفاصل يصل
الثواني ببعضها عند مرور السياره بجانبه, ولكنه ينسحب ليحتل مكانا متواضعا على
جدران المشاهد الخلفيه.

يتوقف المشهد وتختلف الزوايا, وتبدأ حكاية الزوجين ,حيث تركز الكاميرا على ابطال الفيلم ووجوههم
بالذات حتى خيّل لي أن الصوره قد اقتطعت الشعر وأسفل الذقن لتركز فقط على الوجه.
وكأن المخرج ينتقل من عالم الماكرو الى عالم الميكرو, فهو لا يريدنا إلا أن نرى
الأرواح المستهلكه وراء الوجوه التعبه.

لن أسرد أحداث الفلم لأنه يجب عليكم أن تشاهدوه ولكني ساتناول بضع النقاط.

هنالك ثلاث مشاهد يمكنني أن اسميها “مقدسيه”  مشهد
الجدار الذي يتكرر أكثر من مره وهو مشهد قوي ومؤثر رغم أنه يستطيع أن يفعل أكثر
بكثير من  أن يكون مجرد جدار تمر السياره
بجانبه. مشهد القدس الشرقيه بجانب فندق الأقواس السبعه وهي الصوره التي اختارها
المخرج لدعاية الفيلم وهذا يعني الكثير, مرّة أخرى تمر القدس الشرقيه كلّها
بكنائسها ومساجدها وكنسها لتسقط تحت يد الممثله حين تحلم بأنها تطير وفي ذات الوقت
تكاد أن تقع, والمشهد الثالث هو مشهد غير مألوف لمن لا يعرف القدس حقا, انه مشهد
البطله تقطع الشارع وأكاد أجزم أنه الشارع رقم واحد في القدس, وهي ضائعه في بحر من
اليهود المتدينين بملابسهم الشرق أوروبيه عندما تسقط حقيبتها فتعود لتلتقطها, لا
أعرف لماذا شعرت أن هذا المشهد بالذات هو لربما بامكانه أن يعبر عن قصة الفلم أكثر
من غيره وخصوصا أكثر من المشهد السابق, وللمرة الثالثه يروادني الشعور أن القدس
دخلت الفيلم من الباب الخلفي على استحياء.

واضح للعيان إختيار المخرج لإلقاء كل البهرجات السياسيه والدينيه والجيومورفولوجيه خارج
المشاهد, ليركّز على الزاويه الانسانيه البحته المجرده من كل الأكاذيب والأقنعه التي
ننسجها على شخصيتنا لنروق المجتمع. ذلك القرار يحمل تبعيات كثيره من الطبيعي أن
تعجب البعض وأن يمجّها البعض.

لكني كنت أتمنى أن تتمازج البيئة المقدسيه أكثر في مشاهد الفيلم لأن الطبيعة البشعه للسياسة في هذا
المدينه بالذات تحفر أخاديدا في قلوب كل سكانها, ولأن ذلك كان برأيي (كمشاهد وقح
يعتقد أنه يفهم بالاخراج اكثر من تارانتينو بقليل) سيزيد من مصداقية الشخصيات .

لا أحب بتاتا الأفلام التي تحول البشر الى معادن تتحرك بوقاحة كي تروي لنا قصة العدو الصهيوني
الحقير السادي المحتل المختل الى ما شاء الله من صفات أمام البطل الفلسطيني الفذ
الذي لا ينطق عن الهوى ويكنس بيديه المحتلين. فواقعنا مركّب جدا ويكفي أن نرى ما
جرى في سوريا  مثلا لنفهم أن منطق “المقاومه” الذي يُشَرْعِنُ تحويل البشر الى “مقاومين”  لا يجب على أحدهم أن يشعر أو يحب أو يكره هو واجهه زجاجيه لم تحتج لأكثر من حجر واحد حتى تفتّتت.

هذا الفيلم ابتعد اكبر مسافة ممكنه عن تلك الافلام “المثيرة” للمشاعر اللحظية الكاذبه,
ليسبر غور العلاقات البشرية التي سبقت الديانات والسياسة وربما سبقت اللغه, فلحظات
الصمت في الفلم هي اقوى المشاهد, كأن الحوار يستدرج المشاهد لتلك الثواني الصامته
التي تحمل براكين تفور بالمشاعر (وربما هذا الشيئ الوحيد الذي ذكرني بفيلم عطش).

هذا الفيلم  دخل الفيلم الى غرف نوم كل مشاهديه واستطاع بصبر
شديد وبدون تعجل أن يطعنهم بسكين صغير في محاولة (هكذا خيّل لي عندما لبست قبعة
سكورسوزه) لفصد الدم الفاسد, أو على رأي المثل ” اقطع عرق وسيح دم”.

ولكن هذا الفيلم قد أخذ القضيه الانسانيه الى النقيض فهو يعالج المشاعر الطاهره كما عرفها رجل
الكهف, وهو فلم أنساني جميل لا يهم باي لغة كان الحوار, وكان يمكن أن يكون فرنسيا
أو ايطاليا بنفس السيناريو والحوار. هذا الفيلم يحمل كل مشاهد الى إسقاط العلاقه
بين أبطال الفيلم على علاقته الزوجيه ليفكر.

فهل هذا مديح للفيلم ام ذم ؟

سأكتفي بهذا المقطع من قصيده أعشقها لشاعري المفضل :

سنصير شعباً حين ننسى ما
تقولُ لنا القبيلة …، حين يُعلي الفرد من شأن، التفاصيل الصغيرة

ملاحظه ما بعد الأخيره : أعجبتني الموسيقى (وسام جبران) التي تستطيع أن تبوح بمكنونات الشخصيات دون الحاجه الى كلمات.

رشيد الحاج عبد

منذ أن أصابتني
حمى العروض في الشعر قبل بضع سنوات , وأنا أحمل هاجسا يؤرقني ويستنزف طاقاتي بغية
دمج معرفتي في علوم الحاسوب مع العروض لانتاج برنامج شعري يستطيع تحليل الشعر
ومعرفة البحر الشعري المستعمل.

إن بحور الشعر
السته عشر هي بمثابه طلاسم مخفيه عن العامه , وتمنّعها ينبع من القدرات الرياضيه
المطلوبه من صاحبها عدا عن كثرة المصطلحات والتفرعات من القوانين, مما يؤدي الى أن
من يريد أن يعرف هذا العلم عليه أن يتفرغ لبضعة أشهر على الأقل حتى يستطيع أن يسبح
في هذا العلم, ويحتاج الى بضع سنوات ليصبح متمكّنا.

وحين نتحدث عن
تعريف الحاسوب بهذا العلم فالصوره تختلف تماما, ففي المكان الذي يخفق به البشر
اليوم وهو كثرة التفرعات والامكانيات يسهل على الحاسوب القيام بملايين العمليات
الحسابيه في الثانيه واحضار النتائج فورا.

ولكن الحاسوب يخفق
أينما وجدت عدة خيارات ممكنه, فالحاسوب لا يستطيع أن يشغل معرفة اضافيه غير التي
قد علمه اياها المبرمج بعكس العقل البشري الذي يكمل النواقص بسلاسة.

وعودة لموضوع
حديثنا فإنّنا حين نوّد تعليم الحاسوب العروض فالمشكله الأولى التي تواجهنا هي
مشكلة التشكيل !

التشكيل

إن أغلب النصوص في
اللغة العربيه التي يكتبها البشر (بما فيها هذا النص) هي نصوص غير مشكله, وحين
يقرأ الأنسان هذا النص فأنه يستطيع معرفة التشكيل في أغلب الكلمات حتى دون أن يكون
خبيرا بقواعد اللغة العربيه.

أما بالنسبة
للحاسوب فيجب إيجاد طريقه لتعليمه ذلك, لنأخذ مثلا كلمة “كتب”

دعونا ندرس
إمكانيات تشكيلها :

  1. كَتَّب الأستاذ طلابه درسهم
  2. هنالك كُتُبٌ كثيرة في المكتبه
  3. كُتًبُ المكتبة متنوعة
  4. كَتَبَ الطالب درسه

أنا ذكرت 4
إمكانيات مختلفه عروضيا دون أن أذكر الإمكانيات التي تتشابه عروضيا وتختلف من
ناحية تشكيل.

لكي يستطيع
الحاسوب أن يحزر التشكيل الملائم هنالك حلّان يتمّمان بعضهما بعضا

  1. قاعدة بيانات بكل كلمات اللغه العربيه مشكّله

عندما نقابل كلمة كتب نبحث في قاعدة البيانات عن
إمكانيات تشكيلها فنجد مجموعه من الإمكانيات بالإمكان عندها إمّا سؤال المستخدم أو
الإستعانه ب 2

  1. كتابة برنامج يستطيع إعراب الجمله

فحين نعرف أن كتب في
“كتب الطالب درسه”   هي فعل ماضي غير متعدي, نستطيع ان نبحث في قاعدة
البيانات لنعرف أنّ الكلمه كتب  تشكيلها هو
كَتَبَ.

وهذا البرنامج بحد ذاته مشروع لا أعتقد أنه يوجد له حل
كامل وذلك يعود مرّه أخرى لتعدد الإمكانيات , ومن معرفتي المتواضعه لا يوجد اليوم
برنامج “جيّد بما فيه الكفايه” لديه تلك القدرات.

الكتابة العروضيه

يحتاج الحاسوب هنا أيضا الى تعلم الكثير من قواعد اللفظ
العروضي مثل : كلمات تكتب غير ما تلفض : هذا,الرحمن…

أل التعريف : اختلاف اللفظ بين الأحرف الشمسيه والقمريه

تلك الكلمات هي ليست بمشكله عدى أنه يتوجب احصائها ووضعها في قاعدة بيانات شامله.

يزداد التعقيد حين نتحدّث عن التصريع (مدّ  التشكيل في آخر الكلمات الى حروف) أو همزة الوصل
والقطع.

فمثلا :

لا أرتضي هذا
الهوى لسواكَ

تصبح

لا أرتضي هاذل هوى لسواكا

لذلك يتوجب على برنامج الحاسوب أن ينتبه الى :

  1. ألف
    هذا تلفظ ولا تكتب
  2. ,الألف الثانيه في هذا كتبت ولم
    تلفظ
  3. همزة الوصل في ال التعريف كتبت ولم تلفظ
  4. اللام في ال التعريف تكتب وتلفظ لأن الهاء
    حرف قمري
  5. تم التصريع في سواكَ لتصبح سواكا.

كل ذلك بالإمكان
محاولة برمجته ولكن المشكله تكمن في حالات تصلح فيها أكثر من إمكانيه : فحينما نرى
كلمة “والديك”

فهي يمكن أن تكون
: والِدَيْكَ

ويمكن أن تكون
أيضا : والدّيكُ

لاحظوا الأختلاف
الكبير في اللفظ, يستطيع الإنسان أن يحزر الكلمة وفقا للنص, بينما مهما حاولنا فإن
الحاسوب سيواجه كلمات في أحسن الأحوال يعرف أنه توجد أكثر من إمكانيه وفي أسوأها
لن يعرف ذلك وسيختار الكلمه الخطأ.

الزحافات وتعدد
إمكانيات البحر الشعري

بعد أن نتخطى
العقبتين الأولى والثانيه (إذا أمكننا ذلك !)

يحتاج الحاسوب
الآن الى معرفة الأسباب والأوتاد وفهم الزحافات حتّى يستطيع أن يحزر البيت
الشعري,هنالك ملايين الإمكانيات ولكن لحسن حظنا فإن كثرة الإمكانيات ليست بمشكله
على الحاسوب ما دامت لا تتعارض, لذلك فالمشكله هنا بسيطه.

بل وتصبح أبسط إذا
ما أستعملنا تقنيات العروض الرقمي لأنك لا تحتاج الى تعليم الحاسوب عن عشرات أنواع
الزحاف الممكنه بل تعلمه بضع قواعد رياضيه سهله.

الخطأ البشري

ربما هذه هي اصعب
مشكله بين المشاكل المطروحه, فحينما نكتب بيتا شعريا مكسورا نتوقع من البرنامج أن
يتغاضى عن الخطأ البسيط وأن ينتبه الى التفعيله في كل الأماكن التي لم نخطئ بها
فحينما نستبدل

قفا نبك من ذكرى
حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل

بهذا :

قفا نبك  بذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل

فإننا نريد
البرنامج أن يحزر بحر هذا البيت الشعري ولو كان به هذا الخطأ “البسيط”

لكي يستطيع
البرنامج تجاوز الأخطاء علينا تعليمه هذه الأخطاء وكيفية تخطيها. مهما حاولنا ذلك
ستكون هنالك أخطاء لم يفكر بها المبرمج ولم يحلم بها أيضا.

الخلاصه

لكي نستطيع كتابة
برنامج يستطيع معرفة البحر الشعري علينا تعليمه
التشكيل , الكتابه العروضيه, الزحافات وتعدد إمكانيات البحر الشعري, تجاوز
الخطأ البشري.

ولكي أكون واضحا
هذه مهمة مستحيله.

ما يمكن إنجازه هو
برنامج ينجح في ذلك بنسب مرتفعه,فإذ استطعنا مثلا كتابة برنامج يستطيع فعل ذلك
بنسبة 99% فذلك سيكون رائعا. وعندما نصل الى 99% ربما سيكون من السهل علينا قفز
هوّة المستحيل وعبور ال 1% الإضافيه.

رشيد الحاج عبد

معرض الوسوم